مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لا تفهمونا غلط 

صنايعية الثالثة يعيدون كتابة تاريخ شاشة القاهرة

 

حين يتحدث التاريخ والإبداع في آن واحد، تبرز شخصيات تعرف كيف تصنع الفارق وتعيد الروح إلى المؤسسات العريقة. في قلب ماسبيرو، وفي أعماق شاشة القاهرة، يظهر اليوم رجل يعرف قيمة كل إطار وكادر، ويعي أن قوة الإعلام لا تُقاس بالشعارات بل بالعمل الصادق والرؤية الواضحة. هذا الرجل هو المخرج محمد دنيا، الذي لم يأتِ بالصدفة، بل استحق قيادة المرحلة بحكم خبرته الطويلة وولائه لمهنة تحمل على عاتقها ذاكرة أمة كاملة. تحت قيادته، استعادت قناة القاهرة حضورها ومصداقيتها، وأثبتت أن الأصالة والحداثة يمكن أن تتحدا لتصنع تجربة إعلامية تليق بتاريخ مصر وجمهورها.

حين اتصلت بصديقي المخرج محمد دنيا لأقول له مبروك رئاسة القناة الثالثة أو قناة القاهرة كما أحب أن أسميها وفاء للاسم الذي تربينا عليه أجابني بتواضعه المعتاد أن القرارات لم تصدر بعد لكنني كنت على يقين بأن المرحلة تحتاج إليه تحديدا تحتاج إلى ابن حقيقي من أبناء ماسبيرو يعرف قيمة الشاشة ويحترم تاريخها ويدرك أن العودة لا تكون بالشعارات بل بالعمل الصادق والرؤية الواضحة

لم يكن يقيني نابعا من علاقة صداقة فقط بل من معرفة طويلة برجل يعشق تفاصيل المهنة ويتعامل مع الكاميرا بوصفها مسؤولية لا أداة شهرة وحين تولى المهمة بدأ التحرك بهدوء الواثق أعاد ترتيب المشهد من الداخل وفتح مساحات جديدة للأفكار وراهن على الجمع بين أصالة الماضي وروح العصر دون أن يسقط في فخ التقليد أو الاستسهال

ومنذ الليلة الأولى في رمضان تابعت شاشة قناة القاهرة بشكل يومي كنت أراقب الخريطة البرامجية بعين المشاهد وبعين الصحفي فوجدت أمامي شاشة جاذبة وقوية خريطة مدروسة بعناية تحمل قدرا واضحا من الحرفية والمهنية يعكس تاريخا طويلا من الخبرة المتراكمة لدى أبناء ماسبيرو لم تكن البرامج مجرد فقرات متتابعة بل مشروع متكامل يستند إلى فهم حقيقي لوجدان الجمهور المصري

ظهر ذلك بوضوح في برنامج ليلة فن في رمضان الذي استضاف الموسيقار منير الوسيمي في حلقة أعادت الاعتبار لقيمة الموسيقى الجادة واستعرضت رحلة إبداع حقيقية كما أعادت القناة فتح ملفات الذاكرة الفنية بتسليط الضوء على إرث المخرج الراحل فهمي عبد الحميد صاحب البصمة الكبرى في الفوازير وكذلك استعادة مسيرة ملك الاستعراض حسن عفيفي وهي خطوات لم تكن مجرد استدعاء للماضي بل تأكيدا على أن الذاكرة الفنية جزء أصيل من قوة الحاضر

ما لفت انتباهي أن الحنين إلى الزمن الجميل لم يكن غاية في حد ذاته بل كان منطلقا لبناء شكل بصري حديث وديكورات متطورة وإيقاع سريع يناسب جمهور اليوم مع الحفاظ على رصانة الطرح واحترام عقل المشاهد هذه المعادلة الصعبة نجح محمد دنيا في تحقيقها لأنه ببساطة يفكر بعقل الصنايعي الذي يعرف أن التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق الكبير

التحدي لم يكن سهلا فالمشهد الإعلامي مزدحم والمنصات الرقمية تفرض سطوتها والقنوات الخاصة تضخ ميزانيات ضخمة في سباق رمضان ومع ذلك استطاعت قناة القاهرة أن تفرض نفسها رقما مهما لأنها قدمت محتوى بديلا يحترم الوعي ويخاطب الوجدان ويستند إلى خبرة حقيقية تراكمت عبر عقود داخل أروقة ماسبيرو

لم أكن أتابع الشاشة بدافع المجاملة بل بدافع الفضول المهني فوجدت نفسي أمام تجربة تؤكد أن ماسبيرو ما زال قادرا على المنافسة حين تتوافر الإرادة والرؤية وحين يقود الدفة مخرج يعرف قيمة التاريخ الذي يحمله على كتفيه ويؤمن بأن التطوير لا يعني القطيعة مع الجذور بل البناء عليها

اليوم يمكن القول إن قناة القاهرة استعادت جزءا كبيرا من حضورها وثقة جمهورها لأنها عادت إلى منبعها الطبيعي شاشة وطنية تعبر عن هوية مصر الثقافية والفنية وتستثمر خبرات أبنائها الذين تعلموا المهنة داخل هذا المبنى العريق وتشبعوا بقيمه

وأخيرا .. 
 أتوجه بكل التقدير للمخرج محمد دنيا الذي أثبت أن الإخلاص للمهنة هو الطريق الأقصر لاستعادة البريق وأن الصنايعي الحقيقي لا يخون حرفته كما أوجه الشكر إلى جميع العاملين بقناة القاهرة هؤلاء الذين يعملون في صمت ويغزلون خيوط الضوء يوما بعد يوم ليصنعوا شاشة تليق بتاريخ ماسبيرو وجمهوره ويؤكدوا أن بيت الإعلام المصري ما زال نابضا بالحياة بسواعد أبنائه المخلصين ، فصنايعية الثالة يعيدون كتابة تاريخ شاشة القاهرة . 
مصطفي البلك
[email protected]